فصل: من فوائد الشعراوي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



(4) بَنُو يَرْبُوعَ قَوْمُ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ.
(5) بَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ قَوْمُ سِجَاحَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ الْكَاهِنَةِ، تَنَبَّأَتْ، وَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ مُسَيْلِمَةَ فِي قِصَّةٍ شَهِيرَةٍ، وَصَحَّ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا.
(6) كِنْدَةُ قَوْمُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ.
(7) بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِالْبَحْرَيْنِ، قَوْمُ الْحَطَمِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَفَى اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُمْ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَارْتَدَّتْ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُمْ غَسَّانُ قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ، تَنَصَّرَ وَلَحِقَ بِالشَّامِ، وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ أَسْلَمَ، وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى أَحْبَارِ الشَّامِ لَمَّا لَحِقَ بِهِمْ كِتَابًا فِيهِ: إِنَّ جَبَلَةَ وَرَدَ إِلَيَّ فِي سَرَاةِ قَوْمِهِ فَأَسْلَمَ، فَأَكْرَمْتُهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ فَطَافَ، فَوَطِئَ إِزَارَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، فَلَطَمَهُ جَبَلَةَ فَهَشَّمَ أَنْفَهُ وَكَسَرَ ثَنَايَاهُ- وَفِي رِوَايَةٍ: قَلَعَ عَيْنَهُ- فَاسْتَعْدَى الْفَزَارِيُّ عَلَى جَبَلَةَ إِلَيَّ، فَحَكَمْتُ إِمَّا بِالْعَفْوِ وَإِمَّا بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ: أَتَقْتَصُّ مِنِّي وَأَنَا مَلِكٌ وَهُوَ سُوقَةٌ؟ فَقُلْتُ: شَمَلَكَ وَإِيَّاهُ الْإِسْلَامُ، فَمَا تَفْضُلُهُ إِلَّا بِالْعَافِيَةِ. فَسَأَلَ جَبَلَةُ التَّأْخِيرَ إِلَى الْغَدِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ رَكِبَ مَعَ بَنِي عَمِّهِ، وَلَحِقَ بِالشَّامِ مُرْتَدًّا، وَرُوِيَ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَأَنْشَدَ:
تَنَصَّرْتُ بَعْدَ الْحَقِّ عَارًا لِلَطْمَةٍ ** وَلَمْ يَكُ فِيهَا لَوْ صَبَرْتُ لَهَا ضَرَرْ

فَأَدْرَكَنِي مِنْهَا لِجَاجَ حَمِيَّةٍ ** فَبِعْتُ لَهَا الْعَيْنَ الصَّحِيحَةَ بِالْعَوَرْ

فَيَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وَلَيْتَنِي ** صَبَرْتُ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ عُمَرْ

فَهَؤُلَاءِ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ أَحَدٌ. وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الَّذِي قَاتَلَ جَمَاهِيرَ الْمُرْتَدِّينَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَهُمُ الَّذِينَ تَصْدُقُ عَلَيْهِمْ صِفَاتُ الْآيَةِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ.
وَصَفَ اللهُ هَؤُلَاءِ الْكَمَلَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِسِتِّ صِفَاتٍ:
الصِّفَةُ الْأُولَى: أَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّهُمْ؛ فَالْحُبُّ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَهُوَ تَعَالَى يُحِبُّ وَيُبْغِضُ كَمَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ، وَلَا يُشْبِهُ حُبُّهُ حُبَّ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْبَشَرَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (42: 11) وَكَذَلِكَ عِلْمُهُ لَا يُشْبِهُ عِلْمَ الْبَشَرِ، وَلَا قُدْرَتُهُ تُشْبِهُ قُدْرَتَهُمْ، وَلَا نَتَأَوَّلُ حُبَّهُ بِالْإِثَابَةِ وَحُسْنِ الْجَزَاءِ، كَمَا تَأَوَّلَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ فِرَارًا مِنَ التَّشْبِيهِ إِلَى التَّنْزِيهِ؛ إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَتَنْزِيهِ الذَّاتِ، وَإِلَّا لَاحْتَجْنَا إِلَى تَأْوِيلِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَهُمْ لَا يَتَأَوَّلُونَهَا، وَلَا يُخْرِجُونَ مَعَانِيَهَا عَنْ ظَوَاهِرِ أَلْفَاظِهَا؛ فَمَحَبَّتُهُ تَعَالَى لِمُسْتَحِقِّيهَا مِنْ عِبَادِهِ شَأْنٌ مِنْ شُئُونِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ، لَا نَبْحَثُ عَنْ كُنْهِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، وَحُسْنُ الْجَزَاءِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالْإِثَابَةِ قَدْ يَكُونُ مِنْ آثَارِهَا، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبَعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (3: 31) فَجَعَلَ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى لِلْمُتَّبِعِينَ وَلِلْمَغْفِرَةِ. فَكُلٌّ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ جَزَاءٌ مُسْتَقِلٌّ؛ إِذِ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.
الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللهَ تَعَالَى، وَحُبُّ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ لِلَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ فِي آيَاتٍ غَيْرِ هَذِهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} (2: 165) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} (9: 24).
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهَمْ بِذَلِكَ».
وَقَدْ تَأَوَّلَ هَذَا الْحُبَّ بَعْضُ النَّاسِ أَيْضًا؛ قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الطَّاعَةِ؛ إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُحِبَّ الْإِنْسَانُ إِلَّا مَا يُجَانِسُهُ، وَيَرُدُّ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} 6 364) فَإِنَّهُ جَعَلَ الْجِهَادَ غَيْرَ الْحُبِّ، وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورُ آنِفًا، فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحُبِّ وَالْعَمَلِ، وَجَعَلَ عُدَّتَهُ لِلسَّاعَةِ الْحُبَّ دُونَ كَثْرَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. نَعَمْ، إِنَّ الْحُبَّ يَسْتَلْزِمُ الطَّاعَةَ وَيَقْتَضِيهَا بِسُنَّةِ الْفِطْرَةِ، كَمَا قِيلَ: تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ هَذَا لَعَمْرُكَ فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ وَقَدْ أَطَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْمَحَبَّةِ مِنَ «الْإِحْيَاءِ» فِي بَيَانِ مَحَبَّةِ اللهِ لِعِبَادِهِ وَمَحَبَّةِ عِبَادِهِ لَهُ، وَالرَّدِّ عَلَى الْمُنْكِرِينَ الْمَحْرُومِينَ، فَجَاءَ بِمَا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ، وَتَسْكُنُ لَهُ النَّفْسُ، وَيَنْثَلِجُ بِهِ الصَّدْرُ. وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ هُوَ أَدَقُّ تَحْرِيرًا، وَأَشَدُّ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ انْطِبَاقًا، وَلِسِيرَةِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مُوَافَقَةً. وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ مِنَ التَّفْسِيرِ قَدْ طَالَ جِدًّا لَحَرَّرْتُ هَذَا الْمَوْضُوعَ هُنَا، وَأَتَيْتُ بِخُلَاصَةِ أَقْوَالِ النُّفَاةِ الْمُعْتَرِضِينَ، وَصَفْوَةِ أَقْوَالِ الْمُثْبِتِينَ، وَلَكِنَّنَا نُرْجِئُ هَذَا إِلَى تَفْسِيرِ آيَةٍ أُخْرَى كَآيَةِ التَّوْبَةِ (9: 24) وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى حُبِّ اللهِ مِنْ قَبْلُ فِي تَفْسِيرٍ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ} (2: 165) فَحَسْبُكَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ الْآنَ (رَاجِعْ ص55 وَمَا بَعْدَهَا ج2 ط الْهَيْئَةِ).
الصِّفَتَانِ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ: الذِّلَّةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْعِزَّةُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَالْمَرْوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِمَا أَنَّهُمَا بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (48: 29) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «أَذِلَّةٍ» جَمْعُ ذَلِيلٍ، وَأَمَّا «ذَلُولٌ» فَجَمْعُهُ ذُلُلٌ كَكُتُبٍ وَوَجْهُ قَوْلِهِ: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} دُونَ {أَذِلَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ} بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُضَمِّنَ الذُّلَّ مَعْنَى الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: عَاطِفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ التَّذَلُّلِ وَالتَّوَاضُعِ، وَالثَّانِي أَنَّهُمْ مَعَ شَرَفِهِمْ وَعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وَفَضْلِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ خَافِضُونَ لَهُمْ أَجْنِحَتَهُمْ.
الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَأَصْلُ الْجِهَادِ احْتِمَالُ الْجَهْدِ وَالْمَشَقَّةِ، وَسَبِيلُ اللهِ طَرِيقُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَعْظَمُ الْجِهَادِ بَذْلُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فِي قِتَالِ أَعْدَاءِ الْحَقِّ، وَهُوَ أَكْبَرُ آيَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} (9: 47) وَضِعَافُ الْإِيمَانِ قَدْ يُجَاهِدُونَ، وَلَكِنْ فِي سَبِيلِ مَنْفَعَتِهِمْ، دُونَ سَبِيلِ اللهِ، فَإِنْ رَأَوْا ظَفْرًا وَغَنِيمَةً ثَبَتُوا، وَإِنْ رَأَوْا شِدَّةً وَخَسَارَةً انْهَزَمُوا، وَهَلِ الْمُرَادُ بِهَذَا الْجِهَادِ هُنَا قِتَالُ الْمُرْتَدِّينَ، أَمْ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي، وَلَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مُقَاتِلِي الْمُرْتَدِّينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، أَوَّلًا وَبِالْأَوْلَى.
الصِّفَةُ السَّادِسَةُ: كَوْنُهُمْ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَجُمْلَةُ هَذَا الْوَصْفِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِحَالِ الْمُجَاهِدِينَ، وَفِيهَا تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَخَافُونَ لَوْمَ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ لَهُمْ إِذَا هُمْ قَاتَلُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَبْلَغُ أَنْ تَكُونَ لِلْوَصْفِ الْمُطْلَقِ؛ أَيْ إِنَّهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ فِي الدِّينِ، وَرُسُوخِهِمْ فِي الْإِيمَانِ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةً مَا مِنْ أَفْرَادِ اللَّوْمِ أَوْ أَنْوَاعِهِ مِنْ لَائِمٍ مَا كَائِنًا مَنْ كَانَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ الْعَمَلَ رَغْبَةً فِي جَزَاءٍ أَوْ ثَنَاءٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَا خَوْفًا مِنْ مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُمْ مِنْهُمْ؛ فَيَخَافُونَ لَوْمَ هَذَا أَوْ ذَاكَ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ الْعَمَلَ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ، وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَتَقْرِيرِ الْمَعْرُوفِ، وَإِزَالَةِ الْمُنْكِرِ؛ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَتَرْقِيَتِهَا.
{ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الصِّفَاتِ السِّتِّ فَضْلُ اللهِ يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَفْضُلُونَ غَيْرَهُمْ بِهِ، وَبِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ مَشِيئَتَهُ، سُبْحَانَهُ، لِمِثْلِ هَذَا الْفَضْلِ، تَجْرِي بِحَسَبِ سُنَّتِهِ الَّتِي أَقَامَ بِهَا أَمْرَ النِّظَامِ فِي خَلْقِهِ، فَمِنْهُمُ الْكَسْبُ وَالْعَمَلُ النَّفْسِيُّ وَالْبَدَنِيُّ، وَمِنْهُ سُبْحَانَهُ آلَاتُ الْكَسْبِ وَالْقُوَى الْبَدَنِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ، وَالتَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ الْخَاصَّةُ، وَاللُّطْفُ وَالْمَعُونَةُ {وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفَلَ عَنْ فَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ شُكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَنْ تَجِبُ مُوَالَاتُهُمْ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ تَوَلِّي مَنْ تَجِبُ مُعَادَاتُهُمْ، فَقَالَ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} أَيْ لَيْسَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَاصِرٌ يَنْصُرُكُمْ إِلَّا اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، وَأَنْفُسُكُمْ بَعْضُكُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، فَهُوَ نَفْيٌ لِنَصْرِ مَنْ يُسَارِعُ مِنْ مَرْضَى الْقُلُوبِ فِي تَوَلِّي الْكُفَّارِ مِنْ دُونِ اللهِ، وَإِثْبَاتٌ لِنَصْرِ اللهِ وَوِلَايَتِهِ، وَلِنَصْرِ مَنْ يُقِيمُ دِينَهُ مِنَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَلَمَّا كَانَ لَقَبُ «الَّذِينَ آمَنُوا» يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَ فِي الظَّاهِرِ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} أَيْ دُونَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا آمِنًا بِأَفْوَاهِهِمْ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَالَّذِينَ يَأْتُونَ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ دُونَ رُوحِهَا وَمَعْنَاهَا، فَإِذَا قَامُوا إِلَيْهَا قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ، وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا. فَالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحَقِّ الْوِلَايَةِ هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ إِقَامَةً كَامِلَةً بِالْآدَابِ الظَّاهِرَةِ، وَالْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ، وَالَّذِينَ يُعْطُونَ الزَّكَاةَ مُسْتَحِقِّيهَا، وَهُمْ خَاضِعُونَ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى طَيِّبَةً نُفُوسُهُمْ بِأَمْرِهِ، لَا خَوْفًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، أَوْ يُعْطُونَهَا، وَهُمْ فِي ضَعْفٍ وَوَهْنٍ لَا يَأْمَنُونَ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ، فَاسْتَعْمَلَ الرُّكُوعَ فِي الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ لَا الْحِسِّيِّ، وَهُوَ التَّطَامُنُ وَالْخُشُوعُ لِلَّهِ، أَوِ الضَّعْفُ وَانْحِطَاطُ الْقُوَى. قَالَ فِي حَقِيقَةِ الرُّكُوعِ مِنَ الْأَسَاسِ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَلَمْ يَعْبُدِ الْأَوْثَانَ رَاكِعًا، وَيَقُولُونَ: «رَكَعَ إِلَى اللهِ»؛ أَيِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ خَالِصًا، قَالَ النَّابِغَةُ: سَيَبْلُغُ عُذْرًا أَوْ نَجَاحًا مِنِ امْرِئٍ إِلَى رَبِّهِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ رَاكِعُ فَهَذَا هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ فِي مَجَازِ الرُّكُوعِ: وَرَكَعَ الرَّجُلُ: انْحَطَّتْ حَالُهُ وَافْتَقَرَ، قَالَ: لَا تُهِينُ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرَكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِرُكُوعِ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ الِانْحِنَاءُ فِيهَا، وَرَوَوْا مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ؛ إِذْ مَرَّ بِهِ سَائِرٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الْمُفْرِدِ «بِالَّذِينِ آمَنُوا» وَعَنْ إِعْطَاءِ الْخَاتَمِ بِـ {يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} مِمَّا لَا يَقَعُ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ يَقَعُ فِي الْمُعْجِزِ مِنْ كَلَامِ اللهِ عَلَى عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِلسِّيَاقِ؟ أَمَّا إِفْرَادُ {وَلِيُّكُمْ} مَعَ إِسْنَادِ الْجَمْعِ إِلَيْهِ فَهُوَ لِبَيَانِ أَنَّ الْوَلِيَّ النَّاصِرَ بِالذَّاتِ هُوَ اللهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} (2: 257) وَأَنَّ وِلَايَةَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ تَبَعٌ لِوِلَايَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: {إِنَّ أَوْلِيَاءَكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} لَمَا أَفَادَ هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَسْتَوِي الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، وَالرَّبُّ وَالْمَالِكُ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ؟ {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} أَيْ إِذَا كَانَ اللهُ هُوَ وَلِيُّكُمْ وَنَاصِرُكُمْ، وَكَانَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَوْلِيَاءَ لَكُمْ بِالتَّبَعِ لِوَلَايَتِهِ فَهُمْ بِذَلِكَ حِزْبُ اللهِ تَعَالَى وَاللهُ نَاصِرٌ لَهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ تَعَالَى بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَيَتَوَلَّ الرَّسُولَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِهِمْ وَشَدِّ أَزْرِهِمْ، وَبِالِاسْتِنْصَارِ بِهِمْ دُونَ أَعْدَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الْغَالِبُونَ، فَلَا يُغْلَبُ مَنْ يَتَوَلَّاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ حِزْبُ اللهِ تَعَالَى، فَفِيهِ وَضْعُ الْمُظْهَرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وَنُكْتَتُهُ بَيَانُ عِلَّةِ كَوْنِهِمْ هُمُ الْغَالِبِينَ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّتِ الشِّيعَةُ بِالْآيَةِ عَلَى ثُبُوتِ إِمَامَةِ عَلِيٍّ بِالنَّصِّ، بِنَاءً عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِيهِ، وَجَعَلُوا الْوَلِيَّ فِيهَا بِمَعْنَى الْمُتَصَرِّفَ فِي أُمُورِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ كَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ. وَعَلِمْنَا مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْوِلَايَةَ هَاهُنَا وِلَايَةُ النَّصْرِ، لَا وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ وَالْحُكْمِ؛ إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ لَهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمُ الرَّازِيُّ، وَغَيْرُهُ بِوُجُوهٍ، وَهَذِهِ الْمُجَادَلَاتُ ضَارَّةٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ، فَهِيَ الَّتِي فَرَّقَتِ الْأُمَّةَ وَأَضْعَفَتْهَا، فَلَا نَخُوضُ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ نَصٌّ عَلَى الْإِمَامَةِ لَمَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهَا؛ أَوْ لَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)}.
ونلحظ أن الحق أوضح في الآية السابقة: أن الله هو المولى، وهنا تكون أنت أيها العبد المؤمن من الذين يتولاهم الله، تمامًا مثل قوله: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}.
وحين يكون الله في معونتك فهو يعطيك من قدرته غير المحدودة فكيف تتولى أنت الله؟ ويكون القول الحاسم في هذا الأمر هو قول الحق: {إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ} [محمد: 7].
والحق في الآية التي نحن بصددها جاء بالمقابل لما جاء في الآية السابقة عليها فهو القائل من قبل: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ}.